محمد متولي الشعراوي
6364
تفسير الشعراوى
سررت من فشل فلان » وفحوى « 1 » هذا الخطاب ، استفهام في معرض النهى ، وهو استفهام يحمل الرجاء . وهنا تجد أن الراجي هو ربك - سبحانه وتعالى - الذي أرسلك بالدعوة . ولذلك يأتي قول الحق سبحانه مبيّنا : لا يضيق صدرك يا رسول اللّه من هؤلاء المتعنتين ، الذين يريدون أن يخرجوك عن مقامك الذي تلحّ دائما في التأكيد عليه ، فأنت تؤكد لهم دائما أنك بشر « 2 » ، وكان المفروض فيهم أن تكون مطلوباتهم منك على مقدار ما أقررت على نفسك ، فأنت لم تقل أبدا عن نفسك إنك إله ، ليطلبوا منك آيات تخالف النواميس « 3 » ، بل أنت مبلّغ عن اللّه تعالى . وإياك أن يضيق صدرك فلا تبلغهم شيئا مما أنزل إليك ؛ لأن البلاغ هو الحجّة عليهم ، فلو ضاق صدرك منهم ، وأنقصت البلاغ الموكّل إليك ؛ لأنهم كلما أبلغوا بآية كذّبوها ، فاعلم أن اللّه سبحانه وتعالى سوف يزيد عقابهم بقدر ما كذّبوا .
--> ( 1 ) فحوى القول : مضمونه ومرماه الذي يتجه إليه القائل . والجمع : فحاو ، وفحاوى . [ المعجم الوسيط ] . ( 2 ) أكد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا المعنى في أحاديث شريفة كثيرة جدا : - منها حديث رافع بن خديج قال : قدم نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة ، وهم يأبرون النخل ، يقولون يلقحون النخل ، فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه . قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا فتركوه ، فنفضت . قال : فذكروا ذلك له ، فقال : « إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأيي ، فإنما أنا بشر » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2362 ) كتاب الفضائل . - وعن أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنما أنا بشر ، أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل ، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقرّبه بها منه يوم القيامة » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2603 ) . ( 3 ) النواميس : القوانين الإلهية التي يخضع لها الكون .